آدابا.. مسرحية لمعد الجبوري تعيد الاعتبار للشعر وتلوذ بالتاريخ

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
27/03/2008 06:00 AM
GMT



يعد الشاعر العراقي معد الجبوري، واحداً من ألمع الشعراء العراقيين، الذين استطاعوا أن يقدموا نصوصاً ناضجة في ميدان المسرح الشعري العربي . فقد كتب العديد من المسرحيات الشعرية، التي استوحى أفكارها، من الموروث الحضاري والتاريخي للعراق القديم، ومنها مسرحية آدابا، شموكين، السيف والطبل، وغيرها.
وقد نالت مسرحيته (آدابا) شهرة واسعة، واستحساناً كبيرا، ونشرتها مجلة الأقلام العراقية، وصدرت في كتاب عن المركز الثقافي الاجتماعي بجامعة الموصل، وترجمها إلي اللغة الأسبانية، الدكتور محمود صبح، ونشرت في مدريد، كما ترجمت إلي اللغة الكردية والإيطالية، وقدمت أكثر من خمس عشرة مرة، علي مسارح بغداد والمحافظات العراقية، ذلك أنها إضافة إلي كونها تستجيب لتقنيات المسرح، والمسرح الشعري خاصة، فإنها كذلك تعبر عن مجموعة أفكار إنسانية تظل حية في كل زمان ومكان.
تناول المؤلف الشاعر معد الجبوري، إسطورة بابلية قديمة، ملخصها : أنه على بوابة الخليج، في جنوب العراق القديم . قام (الإنسان ) آدابا، مخلوق الآلهة، صياد السمك، بكسر أجنحة الريح الجنوبية، وانحاز إلي الطبقات الكادحة، من المذلين والمهانين والفقراء والعبيد، حينما دار الصراع العنيف بينهم، وبين الكهنة والإقطاعيين، وأصحاب المصالح والنفوذ المادي والمعنوي .
وقد حقق آدابا نصراً عظيماً بعمله هذا، مما أغضب (انليل) إله العاصفة، الذي يطرح الأمر أمام كبير الآلهة (آنو)، وأمام مجمع الآلهة، الذين يقلقون من قوة آدابا، ونفوذه، وقيادته للناس . فيعمد (آنو) إلي محاولة كسبه وشرائه، ويدله علي طريقة، لكي يصبح هو الآخر الها، وينضم إلي مجمع الآلهة، وبذلك يتحول من كونه بشراً، يساند ثورة الفقراء، إلى إله يساند تخطيط الآلهة، في إبقاء سيطرتهم علي البشرية . ولكن آدابا يرفض ذلك، مفضلاً التضحية بنفسه في سبيل ثورة الإنسان، وانتصاره على جلاديه . وحين يختفي آدابا من أحداث الفعل المسرحي في نهاية المسرحية، نجد أن وجوده الفردي المادي، قد تحول إلي وجود جماعي منظم، يحقق الانتصار على الكهنة والإقطاعيين.
يدور الصراع في المسرحية، باتجاهات ومستويات أساسية ثلاثة، فهناك الصراع بين الآلهة أنفسهم، صراع الهيمنة والسيطرة وتحقيق النفوذ، عبر ممثليهم الذين يتحدثون باسمهم، وهناك الصراع بين الآلهة والبشر، حين تخشي الآلهة من محاولات زحزحتها عن أماكنها، والتجاوز علي أمجادها ومكاسبها، وهناك الصراع بين البشر أنفسهم، بين الكاهن والعبيد، وبين السيد والعبيد، فضلاً عن الصراع الذي يحققه آدابا، حين يجابه العبيد والكادحين مستنفرا اياهم ، للتخلص من سلبيتهم وضعفهم وفرقتهم . وتتوحد محاور الصراع جميعها، لتدور بين جناح الخير، وبين جناح الشر .
يبدأ الفصل الأول بكلام الراوي، الذي يشير ويومئ إلي التوجه العام، الذي ستسير فيه الأحداث وطبيعتها، وسنتعرف على المبادئ الأساسية، أو الانحيازات الأولي للعمل، كما سنتعرف علي الفرق بين الفعل السلبي، والفعل الإيجابي في حركة الناس، حتى أولئك النظارة الجالسين في المسرح:
الآن
وفي هذي الظلمة
تتوحد كل الأشياء
أنتم
وترقبكم
ومقاعدكم
والجدران....
.......
ولذا قد نتفق الآن
أن هنا في هذي القاعة
يوجد من يتعرى أو يتخفي
لنقل قد يولد بينكم الساعة

طفل

أو تولد عنقاء .....

وتتألف الأجزاء التالية من الفصل الأول، من مشاهد عديدة، تقدم لنا صورا من العسف والاضطهاد، الذي يلاقيه أفراد المجموعة، الذين يمثلون شرائح من الناس، فلكل واحد منهم همومه التي يعاني منها، بأشكال تختلف عن الأشكال التي يعانيها الآخر، ولكنها تجتمع لتكون صورة شاملة، عن عالم الظلم والعبودية، كما أن اللازمة المقتبسة من الكتاب المقدس، والتي يرددها أفراد المجموعة، وهي (الكل باطل وقبض ريح) تعطي صورة عن ردود الفعل السلبية، لهؤلاء الذين يكتفون بالتساؤلات العقيمة، والبكاء، ولايقدمون علي أي فعل بإتجاه الخلاص، ولذلك فإن آدابا يسخر منهم، ويعطف عليهم، بل هو الذي يقدم لهم في البداية الطعام والثياب، وكذلك نموذج القوة الذاتية المعنوية التي يتمتع بها حين يقول:
وقفت في العراء
صرخت
آنو ايها القابع في مغاور السماء
البحر لي
مادامت الشباك في يدي
فاحكم بما تشاء
لابد ان اكون سيد البحار
هذه القوة الذاتية، هي القدرة على التحدي، واتخاذ القرار والإيمان، بحتمية الانتصار، بفعل العمل التحريضي، الذي يقوم به آدابا تجاه المجموعة:
وغداً قبل بزوغ الفجر
سنكون معاً في البحر
ثم يبرز تحدي المجموعة، بشكل واضح، ضد الكاهن، حينما تنمو في دواخلهم عوامل الثقة والوعي والتنظيم والوحدة الجماعية، ويدرك الكاهن، دور آدابا في هذا التحول النوعي، ولذلك يطلب من الآلهة، أن تقتل آدابا، حيث يعتقد أنه بمجرد قتله ستموت الفكرة الجديدة، ومن ثم الفعل الجديد، وتنتهي المجموعة إلي الظل من جديد، وتعود إلي العبودية، لذلك فإن الكاهن يوجه همه لقتل الروح المتحدية الجديدة، المتمثلة في، آدابا - الفعل الجماعي، وليس الفعل الفردي الأسطوري . وحين تعي المجموعة دورها، فإنها تحرضه علي تكسير أجنحة الريح، وينجح في ذلك، كدليل علي انتصار إرادة الخير الجماعية، ومن خلال التفاعل الحي، بين نماذج الإرادات، الناتجة عن زيادة وعي الطبقات المسحوقة. في الفصل الثاني، يظهر مجتمع الآلهة الذي يترأسه آنو،رب الأرباب في الموروث الرافديني القديم . ويناقش المجمع قضية هذا الإنسان (آدابا) الذي تطاول على الآلهة وكسر أجنحة الريح، وأغاظ الأله إنليل، وبحكمة آنو التي لا يعرفها أحد، يقترح أن يجعله إلهاً ويرفض قتله:
( آدابا أول إنسان يطأ الأرض
فهل نتركه يمتد ويمتد
فتمتلئ الأرض به
حتى يصبح آدابا كل الناس)
ولاتخفي هنا الوشيجة، التي تربط بين اسم آدابا، واسم آدم، أبي البشر، وكذلك فيما يشير إليه المؤلف، مقتبساً من الأسطورة البابلية، بأن آدابا أول إنسان يطأ الأرض.
إن محاولة آنو في جعل آدابا إلهاً، هي عزله عن ابناء جلدته وجنسه ، ولذلك فهو يطلب من آدابا، أن يأكل ويشرب من طعام وشراب خاص، يقدم إليه، هو طعام وشراب الآلهة، ولكن آدابا يرفض ذلك، أولاً بسبب خديعة الأله (إنكي) الذي يوحي إليه بأن في الطعام والشراب سماً، وثانياً لأن آدابا نفسه، يرفض التخلي عن إنتمائه، ودوره، ويفضل ان يبقى بشراً كي تتحقق إنسانيته.
في الفصل الثالث، لانجد أثراً لآدابا، وأياً مايكون المصير، الذي انتهي إليه مادياً، فإننا نجد آثاره وبصمات أصابعه، في سيرورة الأحداث، وتطورها، حيث يتحول من الوجود المادي، إلي الفعل المنجز نفسه، ذلك الذي تقوم به المجموعة، وتنتصر، وتنجح في قتل رمزي الاضطهاد، الكاهن والسيد . ان آدابا يتحول من بطل فرد، إلي نسيج اجتماعي، وهوية، وفكرة للنضال، ضد المستغلين، الذين يتسمون بأسماء شتي، ولكن يبقون ذوي أهداف واحدة، وهكذا نجد لآدابا حضوراً واضحاً أثناء محاكمة الكاهن، فالضربة القاتلة التي توجه إليه، تصحبها الصرخة التالية:
( هاك إذن ضربة آدابا)
بعد أن كان كل واحد من أفراد المجموعة، يردد بضعف وخنوع:
( كنت مع الآلاف
نخطف من بيوتنا
نساق كالخراف
نمرغ الجباه بالأوحال
نقتلع الصخر من الجبال
نشيد المعابد المقدسة
نشيد القصور
للمتكئين وحدهم
علي كنوز الذهب الأحمر
واللآل)
لقد نجح الشاعر معد الجبوري، في توظيف الأسطورة البابلية القديمة، في عمل فني مسرحي معاصر، قدم إجابات علي تساؤلات مركزية، في حياة الإنسان، واستطاع بتقنية فنية خبيرة، وبشعرية متوازنة أن يستخلص من ثنايا الأسطورة العراقية، التي تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، حكمة وعبرة ومأثرة، أسقطها ببراعة علي زمننا الحاضر، دون أن يخل ذلك بمفهوم الزمن المسرحي، والزمن العام، والزمن القادم، الذي تتوجه إليه العظة والنتيجة. لقد اكتفت المسرحية بنقطة مركزية، تصاعدت إلي حد الانفجار، دون إقحام أحداث وعلاقات متشابكة، تبعد المسرحية عن غرضها الأساسي. إن آدابا ليس فقط هو إنسان الأسطورة، أو إنسان المسرحية، ولكنه كل إنسان، في أي زمان ومكان، يحس بالإضطهاد والظلم، فيثور على واقعه، وعلى جلاديه، وعلى قيوده.
واستطاع معد الجبوري، أن يستخدم لغة مسرحية مناسبة، دون أن تستدرجه إلى إنشائيات لاضرورة لها، ودون أن يستغرقه إسهاب شعري، ما في زيادات لا مبرر لها، والتي غالباً ما يقع في حبائلها الشعراء، حيث تتحول مقاطع المسرحية الشعرية عندهم، من حوار درامي بين الشخوص، إلى قصائد عديدة، تلصق احداها بالأخري . كما كانت لغته واضحة ومفهومة، ومتطابقة مع البعد الثقافي، للشخصية المتحدثة ذاتها، ومع الإطار الاجتماعي العام الذي يحيط بعموم الحدث والشخصيات والزمان والمكان.